Monday, November 16, 2009

رؤية


يا صديقي اسمعني أرجوك،
أرى نفسي في الحلم وكأنني نائمة على سريري، ثم أفتح عيني.. في الحلم أيضًا – فقط لأرى ظلامًا وكأنهما مغلقتان بإحكام، وكأنني أراقب نفسي من خارج جسدي في الحلم، ولكنني في الوقت ذاته بداخل جسدي أيضًا، أفتح عيني عن آخرهما حتى تكادا تخرجان من محجرهما، بدون أدنى فائدة. أبدأ في الهلع والصراخ، وأنزل من على سريري لأقع، ثم أقوم، ثم أتخبط بصناديق لا أراها ولا أعلم من أين أتت، والظلام لا يزال محيطًا. لا أفهم، لا أفهم، لا أفهم. أدور حول نفسي في مكاني محاولة العثور على مخرج، ولكن الظلام من داخل العينين وليس من خارجهما، فأين يمكن للمخرج من ذلك أن يكون؟!

للحظة أتوقف عن الصراخ والدوران في مكاني، فقط لأشعر بحضور طاغٍ يتملكني، حضور لا يمكنني وصفه لك سوى بأنه حضور "أبيض كالحليب"، حقًا لا أجد أي وصف آخر له. أشعر بالسكينة والهدوء يغزوان كياني فاستسلم لهما. يهدأ قلبي شيئًا فشيء ويحل السلام..

شيئًا فشيء أيضًا تنجلي الظلمة، ويحل مكانها بياض.. بياض.. لا تسئ فهمي؛ أنا لم استعد نظري في الحلم، ولم أعد لرؤية الأشياء مرة أخرى؛ فقط حل ذلك الأبيض المليء بالسلام محل الظلمة الموحشة. أتحسس المكان من حولي فأجد أحد تلك الصناديق التي تعثرت بها في بادئ الأمر.. أجلس عليه وأنا أتأمل في الأبيض الصاف، وأستكين تمامًا.

ما يحدث دائمًا هو أنني أستيقظ بعدها – في الحقيقة – فأفتح عيني فجأة على اتساعهما ثم أتلمس كل ما في الغرفة بيدي لأتأكد أنني أراه رؤى العين، وأنه ليس وهمي عن الغرفة، أو لعبة يمارسها علي عقلي ليحميني من فكرة فقداني لبصري.. ما يدهشني حقًا أنني في الحلم أملك أجمل عينين يمكن لك أن تراهما.. شكرًا شكرًا، أنا أعلم أن عيوني في الواقع جميلة، ولكن في الحلم هما شيء آخر، وكأنهما عينا جنية من الأحلام.. غريب، هه؟ أجمل عيون في العالم لا ترى شيئًا! صدقني يا صديقي، أنا لا أعلم إن كنت قد جننت بالفعل أم أنني لازلت أفقد البقية المتبقية من عقلي.. أصبح لزامًا علي أن ألمس كل شيء لأتأكد من وجوده. أنت مثلاً هنا: هاتان يداك، وهذا شعرك، وإذا قرصتك ستقول آي! آسفة، آسفة، أنت تتفهمني بكل تأكيد، ولذلك حكيت لك ما حكيته، أليس كذلك؟
أليس كذلك؟
...
...
...
أنت مازلت هنا.. أليس كذلك؟

Friday, October 30, 2009

شبابيك


الدنيا كلها شبابيك.. والسهر والحكاية والحواديت.. كلها دايرة عليك..*


أبص للعمارات اللي حوالينا.. على البيوت المنورة.. كل بيت في دولة جواه حكاية، وكل واحد في البيوت دي له حكاية جوة الحكاية، يا ترى في حد فيهم حكايته زي حكايتنا؟ البيوت أكترها منور بالنيون.. عارف مابحبش النيون؛ أبيض وساقع كده.. لكن بيقولوا إنه بيوفر في الكهربا!


***



أقف في الشباك وأديهم كلهم ضهري. أبص على دموعي وهي نازلة تنتحر من الدور السادس وبعدين الناس يدوسوا عليها وهما مش حاسين. بتعدي من فوقي طيارة أكيد شايلة حد مفارق واحشاه الوشوش إنما البعد بيخليه يشوف حبايبه بُعاد بُعاد وصغيرين زي النمل.. من غير وشوش..

بيهب شوية هوا ساقعين فجأة فأحاول أفتكر وشك يمكن أتدفى شوية.. أغمض عينيا وأحاول.. أعصر دماغي عصر ومافيش حاجة راضية تطلع.. أحاول أحاول أحاول ومافيش حاجة راضية تيجي إلا.. إلا وش بعيد بعيد وصغير صغير زي النمل..

ومايدفينيش ساعتها إلا دمعة نزلت تحصل إخواتها تحت رجلين اللي بيدوسوهم وهما مش حاسين..


***



في البلكونة اللي قصادنا على طول كرسيين وطرابيزة بامبو وكبايتين يظهر كان فيهم شاي وطقطوقة مليانة أعقاب سجاير. باسرح في البلكونة الفاضية وأتخيل إنها بلكونتنا.. ستارة تل أبيض منقوش بتهفهف في الهوا، وشيش! "ملعون أبو الألوميتال".. "رخم ودمه تقيل ومش بتاع جوِّنا أصلاً".. شيش أبيض كمان، بس إحنا مش هانسيبه أبيض طبعًا، هانجيب ألوان ونهريه رسومات – زي ما كنت باعمل في شيش جدتي وأنا صغيرة بالقلم الجاف الأزرق؛ ورد وشجر وفراشات، وبعديها أجري استخبى حتى مرور العاصفة! البلكونة محندقة كده، وأنا هايبقى البياض ابتدى يضرب في شعري إنما فشر! عاشت الصبغة حرة مستقلة! وهابقى لابسة قميص نوم قطن نُص كم زي بتوع جدتي تمام، أنت بقى.. هايبقى عندك كرش صغنن كده، وهاتبقى اصلعيت شوية – زي أبوك دلوقتي كده، هاتبقى علمتني شرب السجاير، وهابقى أنا علمتك ماتشربش الشاي من غير خلطة القرنفل والنعناع والقرفة بتاعتي.. عارف؟ هانبقى عواجيز بس والله هايبقى دمنا خفيف..

أرجع من سكة سرحاني على البلكونة اللي قصادنا ألاقي الستارة لسه بتهفهف في الهوا، والشيش نُص مردود.. ابتسم لهم وأقول لهم في سري: "تصبحوا على خير.. يا جوز عواجيز دمهم خفيف.."


***



"البنت المجنونة اللي بتكلم الياسمين!" كل يوم الصبح تطلع في بلكونتها الصغيرة تسقي الياسمين من كوز بمبى.. تسقيه بالراحة وبحنية غريبة؛ كإنها بتعد النقط الرايحة لياسمينة ياسمينة لاحسن واحدة تغير من أختها ولا حاجة، بعد ما تسقيهم تقعد تحكيلهم حواديت وهي بتطبطب عليهم؛ برضه ياسمينة ياسمينة. ساعات كتير تلاقي ياسمينة صحتها مش قد كده، تقوم بايساها دونًا عن إخواتها كلهم، وتقوم مغنيالها أول أغنية تخطر على بالها.. وبقدرة قادر، تاني يوم لازم تكون الياسميناية دية بالذات أكتر واحدة مزهزهة ومرعرعة وسط إخواتها كلهم.. جارها اللي في العمارة اللي قدامهم كان بيقول عليها مجنونة.. لاجل وهما صغيرين كانت تسيب كل العيال اللي بيلعبوا في الشارع وتروح تقعد قدام شجرة الياسمين المزهرة في الجنينة اللي قصادهم، ويوم ما غاظها وقعد يقطع الياسمين ويرميه في وشها، لقاها قامت لملمته بكل هدوء في جيوبها، بعدين بصت له وهوب! لقاها نطحته لحد ما وقعته وقعدت فوقيه وهاتك يا ضرب! وماخلصوش من إيدها يومها إلا أبوها الطيب وهو راجع من الشغل. بعديها بيومين وهو نازل مدرسته لقى جواب على باب بيته: "آسفة إني ضربتك. الياسمينة هي الشجرة الوحيدة المزهرة في الخريف. إوعا إوعا إوعا تعمل فيها كده تاني." كان فيه إرتباط شرطي بين الخريف وبين ريحة الياسمين اللي بتلطشه كل يوم من بلكونتها أول ما الخريف يهل.. كان في بلكونتها ورد وزرع كتير، لكن روحها وابتسامتها ماكنتش تنور غير أما الياسمين يزهر: "كل حاجة بتموت في الخريف إلا الياسمين.. الياسمين بيستنى أما الصيف يسحب آخر خيط ألوان فرايحي من الدنيا ويسيب للخريف الألوان الحزينة، ويقوم مزهر هو يمكن الخريف يفرح شوية!"

البنت المجنونة اللي بتكلم الياسمين.. البنت المفترية اللي ضربته وهو صغير.. البنت الغريبة اللي ساكنة في البلكونة اللي قصادهم.. زارعة في قلبه ياسمينة كبيرة مزهرة طول السنة.. مش في الخريف بس..


***



أفتح الشباك والبيت والدنيا نايمين وهُس هُس.. أطَلع إيديا في الهوا كإني فاردة جناحي.. أفتكر أما كنت صغيرة وكان أول نشاط ليا بعد ما أصحى إني أفتح شباك أوضتنا للآخر، وأقوم مدلدلة رجليا من بين قضبان السور الحديد وأقعد أمرجحهم مع إيديا.. كتير كنت أغمض عينيا وأمثل إني بطير وأنا باغني.. ومرة طرت طرت طرت لحد ما فقت على فردة الشبشب الأحمر واقعة في الجنينة! ساعات كتير نفسي بتهفني أعمل كده تاني، بس للأسف القضبان الحديد اللي كنت باطلع رجليا وإيديا من بينهم بنينا عليها حيطة دلوقتي وراح نُص الشباك! أبص للسما والأقي النجمة الوحدانية اللي طالعة في سما القاهرة، وأفكر إن زمان ماكنتش السما كده. أتأسف للسما والنجمة على اللي معمول فيهم في سري.. بعدين أسرح وأفكر إنه صحيح شبابيكنا ضاقت وصحيح سمانا اتخنقت وصحيح قوي نجومنا قلت؛ إنما إحنا لسة فاكرين شكل السما أم نجوم كتيرة من شباك كبير. أقولك؟ حط كل المشاهد دية في قلبك واقفل عليهم بالضبة والمفتاح، وإدي المفتاح لحد بتحبه.. يمكن يفتح نُص الشباك اللي عنده على نص الشباك اللي عندك ويرجعوا يبقوا شباك واحد كبير شايفين منه سما جديدة مبدورة نجوم..



Wednesday, September 16, 2009

سكة سفر



تمسك يدي بيدها العجوز.. تدقق النظر في باطن كفي وكأنها تستنطقه. بعد وهلة تخبرني بلهجة الواثق أن خطي الحب والموت يتقاطعان في كفي؛ فإما أنني سوف أموت حبًا أو أنني سوف أحب حتى الموت. لا أستوعب الفرق بين الاثنين فأسألها ضاحكة السؤال التقليدي: "طب مافيش في طريقي سكة سفر ولا حاجة؟"، فتمعن النظر في باطن كفي مرة أخرى لتخبرني بعدها وهي تحاوط كفي بيديها الاثنتين: "عندك سكتين سفر يا بتّي.. سكة جواكِ، وسكة براكِ.. سكتينك طوال.. بس ماتخافيش".. "وهاوصل يا خالة؟".. "يا بتّي.. السكة فيها الوصول، والوصول هو السكة". ثم ملست على كفي وكأنها تزيح عنه غبار المستقبل غير المرئي لتبلغني: "النقطة دية.. غربة.. بتحاوريها وتحاورك.. وتشاغليها وتشاغلك.. بتحوم حواليكِ وساعات تطولك وساعات لا.."

***
قرار مفاجئ بالسفر بعد الفجر.. أحب السفر وأحب المفاجآت وأحب هواء ما بعد الفجر.. هواء طازج بكر لم يتنفسه أحد قبلي. نأخذ الطريق الذي أحبه باتجاه المدينة التي أحبها والدنيا ما تزال تتثاءب من حولنا. يبدأ الطريق فأنظر بجانبي لأجد سيارة زرقاء صغيرة تتهجى لوحتها حروف كلمة "ونس" فابتسم: بداية جميلة.

لا أدري لم أذكرك دائمًا في سكك سفري؛ وكأنك مرتبط بكل مكان سافرت إليه أو أتيت منه أو عبرته يومًا. أطلب من أمي فتح الراديو على سبيل "الونس"، فيصاحبنا موال طويل وهادئ لفريد الأطرش لم أسمعه قبلاً، ولكنني ظننت أنه حقًا يناسب الصباح.

تنام أختي موسدة رأسها على كتفي الأيمن، وأخي على كتفي الأيسر. أظل مستيقظة، وكذلك أمي إلى جانب أبي الذي يقود السيارة. دائمًا ما تصر أمي على مصاحبة أبي في سكك سفره وبخاصة الموغل منها في الإبكار أو التأخير. أعرف أنها تعبة ولا تقوى على فتح عينيها، ولكن لا تغمضهما لأن قاعدتها الأولى تنص على أن غياب الونس ممن يجلس إلى جانب السائق قد يؤدي لغفلة عين السائق المرهق أصلاً. تجد أمي ذلك عاديًا جدًا بينما أجده أنا أمرًا مليئًا بالحب. لا أملك سوى أن أفكر فيك وفي أنه لو تلاقت سكتا سفرنا لتغير كل شيء..

ينتهي موال فريد لتبدأ أغنية فيروز "نسم علينا الهوا". أنظر أمامي فأجد الشمس المستيقظة لتوها تشرق من بين السحب. تنساب كلمات فيروز إلى أذني: "يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي". يبدأ الصوت في التقطع تدريجيًا لخروجنا من دائرة إرسال مدينتنا، وعندما يصمت الصوت تمامًا بنهاية الأغنية، يبدا النوم في التسلل إلى جفوني. أسند رأسي أخي وأختي على كتفي بحرص بينما أغوص في المقعد الخلفي. وبينما لا يزال طيف صوت فيروز معلقًا في أجواء السيارة، تتعلق بقلبي جملة واحدة: "يا ونسي وبلادي وسكة سفري الطويل.. خدني على بلادي.."

Saturday, August 15, 2009

Just Take Me AwaY...


Saturday, August 08, 2009

ليلى

أجلس في وسط الغرفة المجددة حديثًا: أمامي ثلاثة صناديق تمتلئ بالكتب والأوراق وحاجياتي الصغيرة التي يجب عودتها لأماكنها، بالإضافة إلى طبق غسيل ينتظر أن ينشر منذ الصباح - أفضل وقت لنشر الغسيل هو الليل لو تعلمون. تبدو الغرفة جديدة وهادئة ولكنها مازالت "مش واخدة عليا". أقرر أن أبدأ التعارف بيننا بطريقتي التقليدية. أوصل حاسبي المحمول بالكهرباء، وأتجول بين ملفات الأغاني، فأجد نفسي بداخل ركن ليلى مراد. أدع الحظ يختار الأغنية، فينطلق صوتها مغنيًا "ياللا تعالى قوام ياللا.. دانتا واحشني كتير والله".. دائمًا ما يبدو صوت ليلى مراد كصوت عصفورة مزقزقة فرحة. تبدأ الأغنية بموسيقى تفرح القلب وتبهجه وكأنها "تزغزغه" فتجبره على الابتسام! نسختي من تلك الأغنية هي جزء من فيلم "من القلب للقلب".. تتخلل كوبليهات الأغنية أصوات الممثلين الآخرين بالفيلم. ا
أواصل نشر الغسيل مع صوت ليلى في الخلفية مفكرة أن "ناس زمان دول كانوا حلوين قوي!" ناس زمان كانت أساميهم هدى وعادل وغالب وأحلام وعنايات، وكلما حدث حدث جلل، سواء مفرح أو محزن، ينطلقون بالغناء.. ناس زمان كانوا يبعثون بالجوابات لعادل ليخبروه أن هدى تفتقده وأنه يجب أن يأتي "قوام"! ناس زمان كانوا يقولون "صباح الخير يا نينة"، فيأتي الرد "يسعد صباحك يا بنتي".. ناس زمان كانوا يهدون بعضهم البعض الورد، ويطبخون الألماظية ويحيكون هداياهم! ا
ليلى يا ليلى.. إسمعها وهي تقول "تعالى لي قوام.. قوام.. قوام".. ألا يشبه صوتها في تلك الجملة بالذات رفيف أجنحة الملائكة؟ إستمع لها أيضًا في ذلك الجزء: "أيام تفوت يوم ورا ليلة.. وأصحى وأحلم في خيالك.. والدنيا حلوة وجميلة.. وأحلى من الدنيا جمالك" لأ صحيح.. هوفيه كده بجد؟! تتساءل "يا هل ترى هافرح بهواك.. ولا هواك كله أشواك؟"، فتشفق على ذلك الكائن الملائكي من تلك الأشواك وإن كانت مجازية.. ا
أنهي نشر الغسيل وأبدأ في ترتيب كتبي وأشيائي. يعود أبي من الخارج ليفتح باب الغرفة ويعطيني شوكولاتتي المفضلة، فأبدأ في تناولها وأنا مستمرة في العمل. عند اقتراب الأغنية من نهايتها تقول دولت أبيض: "الربيع دخل بيتنا" تعليقًا على غناء هدى/ليلى.. أرتب آخر أوراقي وأنظر للغرفة فأحس بأنها قد أصبحت أكثر ألفة؛ وكأنها عادت غرفتي من جديد. ا
أستعد للنوم بإغلاق الجهاز، فتطل علي صورتها التي تزين خلفية حاسبي وهي على صخرتها الشهيرة. ألقي نظرة أخيرة على الغرفة العائدة وأهمس لها قبل أن أطفئ الشاشة: "تصبحين على خير يا ليلى.." ا

Sunday, July 26, 2009

موعد.. على العشاء








Thursday, June 18, 2009

تناتيف من حياتي




الساعة الواحدة ظهرًا.. ننهي تصحيح المائة ورقة الأولى - وتتبقى ثلاثمائة!
أسرح بنظري يمينًا نحو النافذة المطلة على الناحية الخلفية من حرم جامعتنا، فأرى من مكاني خضرة وشارع نظيف ومسلة لم أرها من قبل. أقف في مواجهة النافذة الخشبية لأتمطى قليلًا، مفكرة في أني لم أر هذا الجانب من الكلية قبلًا. تنهمك كل من فاطمة وهند أثناء التصحيح في مكالمات هاتفية للاطمئنان على ابنيهما: تنشغل هند بكيفية خروج عمر من السرير، بينما تنشغل فاطمة في اتصالات لترتيب من سيأتي بياسين من الحضانة!
أعود لتلال الورق وقلمي الأحمر الذي يصر غطاؤه على القفز نحو الأرض كلما أمسكته، فألتقطه مبتسمة ومخبرة إياه: "عارفة إنك زهقت والله بس أنا زهقت أكتر منك!" تشكو شيرين من الأرق الذي يطاردها ليلًا والإعياء الذي يتلوه نهارًا، وتبدو متعبة حقًا، فتسألها د. هالة عما تفضله من أغاني أم كلثوم الموجودة على هاتفها المحمول، فتختار "أمل حياتي"، فأخبرها ضاحكة أن ما يناسب موقفنا هذا هو "إنما للصبر حدود"! ننجز تصحيح مائتي ورقة بحلول الساعة الثانية والنصف وتقوم د. هالة بتسليمهم للكنترول قبل أن يغلق أبوابه. نعود للعمل في المائتين المتبقيتين ومع مرور الوقت وحر اليوم الذي لم تنجح مروحتا السقف في تلطيفه تمامًا، أكون أول البادئات بخلع الإيشارب من أجل المزيد من "التهوية"! وتتلوني فاطمة ثم د. هالة! أتربع على كرسي المكتب الذي أجلس عليه بعد خلع حذائي، ومع صوت الست ودندنة كل منا معه وإيشارباتنا الموضوعة أمامنا على المكاتب، أشعر وكأنني أجلس في صالة بيتنا!
أنفجر ضاحكة فجأة ثم أقرأ عليهم جزء من ترجمة أحد الطلاب:
"وقبل الإقلاع يجب أن تبحث عن أقرب راكب لك وتقوم بإيصال شريط حزام الأمان بينك وبين أقرب راكب وبذلك تجد نفسك بسهولة في الظلام." نضحك جميعًا وأضحك انا حتى تدمع عيناي.. التخاريف بقت فوق الوصف!!
ننهي الأربعمائة ورقة الساعة السابعة، ثم أتوجه أنا ود. هالة نحو سيارتها ومعي نصيبي الذي يبلغ مائتي ورقة أخرى للتصحيح المنزلي. نخرج من كليتنا للجامعة التي تبدو خاوية تمامًا، ثم منها إلى الشارع ونحن في أشد حالات "الفصلان"، فلا نقوى حتى على الحديث. تدير د. هالة مؤشر راديو السيارة فيصلنا صوت إذاعة الأغاني.. رغي سمج لمذيعين، ثم تنطلق شادية ب"يا حبيبتي يا مصر"، وعندما تصل لذلك الجزء الذي يذكر العناد والإصرار، أبتسم في صمت مفكرة في إن "والله يا شادية مافيش عناد ولا إصرار أكتر من اللي إحنا فيه!".. أسند مرفقي ورأسي إلى زجاج السيارة وأتشاغل بالنظر إلى السيارات المارة بجانبنا، وأمارس هوايتي الجديدة في قراءة اللوحات الحديثة للسيارات. تقع عيني أول ما تقع على لوحة عليها الحروف الثلاثة (ه ر ب)، ثم تنطلق من جانبنا لتمر من وراءها تمامًا سيارة أجرة على لوحتها (ن و ر)، فأبتسم مجددًا؛ فترداد اسمي مصحوبًا ب"هرب" في جملة واحدة لم يعد وقعه غريبًا على عقلي في الفترة الأخيرة..
ينفرج المرور بعض الشيء، فتنطلق السيارة، ومع الانفراجة يأتينا عبر الأثير صوت نجم الأغنية الوطنية "محمد ثروت" مع خطأ واضح في الاتصال، فيكرر المذيع: "آلو.. آلو.. ونقول آلو".. فيرد ثروت "بآلوهات" كثيرة جدًا لا يسمعها المذيع، ويستمر الموقف هكذا لنصف دقيقة، حتى يقطع صمتنا أنا ود. هالة حالة من الضحك الهستيري، تتساءل هي في وسطها: "هما كانوا بيصححوا لغة تانية هما كمان ولا إيه؟! إيه الفصلان ده؟!" نسكت لثوان قبل أن نبدأ في الضحك ثانية، حتى نهدأ تمامًا.
أصل للبيت ومعي الحقيبتان البلاستيك المحتويتان على المائتي ورقة المتبقيين. يراني عم محمد رجل الأمن فيصر على أن يحمل لي الحقيبتين، مع دعوات متوالية بأن يراني "دكتورة كبيرة".. أرن الجرس فتفتح لي أختي الباب، ثم تسألني ضاحكة: "إيه كيس محمصات عوف ده؟!" فأضحك أنا الأخرى حيث لم أتحقق مما هو مكتوب على الحقيبة منذ أخذتها من الكنترول. أدخل لأمي الغرفة وتنضم ريهام إلينا، فأخبرهما بنوادر أول يوم تصحيح فنضحك ثلاثتنا حتى تدمع أعيننا، مع بعض تعليقات أمي الحنينة من نوعية "يا عيني يا ربي.. عيال غلابة والله!" أغير ملابسي واغتسل استعدادًا للصلاة. أصلي ثم التجئ لسريري: جسمي مهدود وظهري "مفشفش" ورقبتي توجعني، ولكن مازال أحلى ما في اليوم "شويتين الضحك والتريقة". أفرح لخبر ذهابنا المرتقب للبحر، وأستمع لأغنية حنان ماضي "
البحر بيضحك لي" تيمنًا واستبشارًا واستعدادًا. أشد الغطاء عليّ بعد أن تنتهي حنان ماضي من غنوتها للبحر، متمنية أن أحلم به، ليكون زادًا لي في تصحيح مائتي ورقة غدًا!