Friday, December 26, 2008

فصول عن الغرابة والجنون



كانا يجلسان في ذلك المقهى الهادئ يتحدثان بصورة قد تبدو عادية تماماً لمن يجاورونهم، حينما شردت فجأة لعدة ثوانٍ، ثم نظرت إليه نظرة حادة، قائلة بحسم:ا"حاجة غريبة!".. رد عليها: "هي إيه دي اللي حاجة غريبة؟!"، فردت عليه بنفاد صبر: "غنيلي حاجة غريبة!".. لم يكن "الغريب" في الموضوع هو طلبها المفاجئ، أو وقعه عليه، الغريب حقاً أنه نظر إليها للحظة، ثم -بدون نقاش- انطلق مغنياً بصوت عالٍ: "حاجة غريبة.. حاجة غريبة.. الدنيا لها طعم جديد.. حاجة غريبة....." لم يكن قد أنهى الجملة الأولى من الأغنية عندما كانت قد انفجرت في موجة من الضحك مصحوبة "بدبدبة" بالأقدام على الأرض وبالأيادي على الطاولة.. بينما استكمل هو بقية الأغنية محاولاً كبت ضحكاته في معظم الأجزاء..اا

***ا

وقفا بمواجهة بعضهما البعض، وكان قد قرر أن يخبرها أخيراً: "أعتقد إن أنا وقعت في حبك.." نظرت إليه نظرة ثاقبة رافعة حاجبها الأيسر في تركيز: "همممم..." للحظة مرت بذهنه كل الإجابات المتوقعة، والتي مصدرها بالأساس رصيده الوجداني من الأفلام العربية القديمة: "خلينا أصحاب أحسن".. "بس أنت زي أخويا".. "الحقيقة أنت فاجئتني"، أو حتى "وأنا كمان، مصحوبة باحمرار في الوجه أو ضغطة على اليد. كان أن مرت تلك اللحظة بكل ما حملته من "فلاش باك" ليجدها تخبره "أنت عارف إن تعبير ‘الوقوع في الحب‘ ده بالأساس تعبير أجنبي؟! يعني هو مترجم ترجمة حرفية ، عمرك ما هتلاقي حاجة في الشعر العربي القديم بتقول فلان وقع في حب فلانة.." ثم تركته ومضت. هكذا. فقط.ا

لم يفهم شيئاً.. ظل طوال أسبوع يحاول فهم ما جرى، ولم يتوصل لشيء، حتى وجدها تهاتفه مخبرة إياه أنها قد فكرت في الموضوع، وأنها لا تجد غضاضة في الترجمة الحرفية لذلك التعبير؛ ذلك أنها تعتقد أنها -لسبب أو لآخر- واقعة في حبه أيضاً. اا

***
نومه ثقيل.. ولكن أحدى عشرة مكالمة كانت كفيلة بإيقاظه رغم كل شيء.. ا

ا - "آلو" ا

ا -"إيه ده.. أنت كنت نايم؟!"ا

ا -"مش عارف.. هي الساعة 3 الفجر وكلمتيني حداشر مرة عشان أرد، وصوتي زي مانتي سامعة.. إيه رأيك؟!" ا

كان ما فاجأه شخصياً هو أنه قد قال كل ذلك مبتسماً، (وليس كما توقع لو كان المتصل هو أحد أصدقائه بسيل من "المنقي خيار") .. ا

ا -"ممم.. طيب بقولك، هي ميج رايان في فيلم

You've Got Mail

كان اسمها إيه؟!" ا

ا -"نعم؟!" ا

ا -"يابني بقولك ميج رايان في فيلم

You've Got Mail

كان اسمها إيه.. إيه أنت لسة نايم ولا إيه؟!" ا

ا -"شكلي كده.." مبتسماً مرة أخرى

ا -"طيب.. أصل بص، أنا حلمت بيها.." ا

ا -"بميج رايان؟!" ا

ا - "آه.. جاتلي في الحلم وقعدنا نتكلم مع بعض شوية.. بعدين لقيتها فجأة قامت وبتزعق: ‘أنا مش عارفة اسمي.. أنا مش عارفة اسمي‘.. أنا بقى قمت على الزعيق وتخيل لقيت إن أنا كمان مش فاكرة اسمها في الفيلم كان إيه؟!.. فها بقى.. فاكره ولا لأ؟" اعتصر ذاكرته محاولاً تذكر اسمها حتى أنه قام في الظلام ليجلس على السرير وهو يفرك عينيه: "استني كده.. ممم.. ميج رايان.. ا

You've Got Mail

ممم.. كارولين.. كاثرين.. كاثلين.. أيوة أيوة! هي كاثلين" ا

ا -"صح! صح! برافو عليك! لو كنت قدامي دلوقتي كنت بوستك.. أروح أكمل نومي بقى.. باي باي" ا

عاد بنفس الابتسامة لوضع النوم مرة أخرى متيقناً من جنونها، ولكنه كان أيضاً متيقناً -أكثر من أي شيء على وجه الكرة الأرضية- من حبه لها. اا

***ا

ا -"بص.. أنا خلصتلك الكوفية!" ا

ظلت لأسابيع تخبره بأنها تغزل له كوفية صوف، واليوم أنهت حياكتها وأحضرتها له.. ا

ا -"أخيراً؟ طب فين بقى؟!" ا

ا -"هي معايا.." ثم لحظة صمت.. "بس هي أصلها طلعت مش حلوة قوي يعني.." ا

ا -"طب وريهاني بس".. ا

أخرجت له من حقيبتها قطعة هلامية من تريكو أسود.. كان بالكوفية بعض الثقوب التي تتراوح أحجامها بين ما يمكنك أن تدخل أصبعك فيه وبين ما يمكن ليدك كاملة أن نعبره إلى الطرف الآخر، كما أن الطرفين لم يكونا متساويين، مع بعض الخيوط المنسلة على الجانب. كانت الكوفية تبدو أشبه بعمل كاريكاتوري.. تفحصها قليلاً ثم قال لها بثقة: "دي أحلى كوفية في الوجود" ثم ارتداها معدلاً من وضعها حول رقبته. سارا سوياً مبتسمين، غير عابئين بنظرات الاستغراب والسخرية من ذلك الشاب كامل الأناقة إلا من "كوفية سوداء غير لائقة تماماً".. ا

***
أصبحت الأحاديث العادية مثل الحديث عن العمل والعائلة وما إلى ذلك تصيبه بالملل الشديد، فكان يتطلع لحضورها بفارغ الصبر، فربما حدثته عن قطتها السوداء التي تقرأ أفكارها، أو عن قلمها المفضل الذي تحرص أن تضعه كل ليلة في المقلمة مع أخوته حتى لا يكون وحيداً، أو حتى عن حياكتها لجاكيت جديد له حتى يرتديه مع الكوفية.. أصبح أصدقائه يستغربونه ويقولون له أنه قد أصبح "غريباً" أو "مجنوناً بعض الشيء".. لم يكن رده الدائم سوى ابتسامة صامتة تخبرهم -إن كانوا مستعدين لفهم هكذا شيء- أن قليلاً من الجنون أو غرابة الأطوار ليس بالضرورة شيئاً سيئاً، خاصة لو كان هو طريقك نحو الأهل والسكن. ا

8 comments:

Epitaph1987 said...

This is the Sweetest Thing I've ever read for such a long time..and It has to be You ya Nour who made my day by such a post!


Thank you ya Sweetest Nour ever...

and at last...WELCOME BACK!!!

Mist said...

غرابتها جميلة..

كنت أفكر في معنى ايجابي (أو جميل) لما قالته واحدة من أبطال the american beauty عن أنه لاشئ أسوأ من أن تكون عاديًا.

وهاقد جئتيني بحكاية غاية في الظرف والخفة.

حنين said...

بصي يا بنتي
مش ح اعلق على التدوينة أو الحكاية أو عن عودتك للكتابة.. أنا بس ح اقول حاجة واحدة:
فين التدوينتين اللي قبل كده؟

أحمد جمال said...

من فترة محترمة يعني مقرتش حاجة بالعذوبة دي ..


قريت حاجات حلوة .. وحاجات جميلة وحاجات تستاهل .. لكن صفة العذوبة بقالي كتير موصفتش بيها حاجة قريتها ..


حمدا لله على السلامة أولاً ..

shakhbatta said...

"انا فقط احبها"

so "humanly" :)

Nour said...

الأرواح الصديقة: دمتم ودام لي وَنَسُكم الطيب
:)))

maro said...

كلماتك حلوة قوووووووووووووى

حنين said...

"ن قليلاً من الجنون أو غرابة الأطوار ليس بالضرورة شيئاً سيئاً، خاصة لو كان هو طريقك نحو الأهل والسكن. ا"

الله يا نور.. دي حلوة أوي أوي :)

تسلم إيدك بجد :)