Friday, March 06, 2009

"حمادة"

أجلس على كرسي الفوتيه مرخية رأسي على المسند. يئن جسدي من تعب ثلاثة أيام لم أنم فيهم أكثر من ساعتين متصلتين. وما بين الجنازة والعزاء وحتمية النزول للكلية ثم الرجوع إلى بيت عمتي والعودة إلى منزلنا ليلاً- كل ذلك على خلفية صيام رمضان؛ يقارب جسدي على التهاوي، ولكن النوم يعاندني بالرغم من كل شيء. أغمض عيني قليلاً، فقط لأفتحهما على تربيتة عمتي على كتفي: "قومي نامي يا نوران"، ابتسم ابتسامة مرهقة مخبرة إياها أنه لا توجد مشكلة. تأخذني من يدي: "تعالي نامي في سريره". يبدو الضمير في كلمة "سريره" مبهماً بالنسبة لي حتى تفتح باب الغرفة ثم النور، فتتأكد شكوكي: سريره هو سريره إذن. تغلق الباب ورائها فأنظر للغرفة نظرة شاملة قبل أن أهم بخلع الإيشارب. على الحائط ملصقات للاعبي الزمالك الذي كان هو مشجعهم الوحيد في العائلة، كان أبي دائماً ما يداعبه قائلاً له أنه "زرع شيطاني"، ولم يسلم من مناكفات شباب العائلة عند أية هزيمة تلحق بفريقه المفضل. البذلة العسكرية ذات النجمتين معلقة على مقبض الدولاب في إنتظار من لن يأتي، وتحتها صورة له مرتدياً إياها مع الكاب العسكري. من ترتيب الغرفة والملاءة المشدودة، أفهم أنني أول من تنام بعده في السرير -وأتغطى بغطاك يا محمد، وأنام على مخدتك يا محمد- أشم رائحته في الأغطية، فأتكور على نفسي تحت اللحاف وأغمض عيني على دمعتين كادتا أن تفرا. ا

يستعصى النوم في البداية ولكني أظل على إغماض عيني. أشعر ببرودة يديّ وقدميّ، فأزيد من تكوري على نفسي في الوضع الجنيني الذي أتخذه. يصل أبي وأمي وتسأل أمي عني، فتخبرها عمتي أنني نائمة قليلاً. يصلني صوت أمي عبر الباب المغلق فأتذكر ما قالته لي قبل أن أغادر المنزل صباحاً. كنت قد لاحظت في أثناء ارتداء ملابسي بعض البقع المزرقة في يديّ ورجليّ، كأنني قد اصطدمت بشيء فأزرق مكانه؛ فقط أنا لم أفعل. أريها لأمي بدهشة فتصمت للحظة ثم تجيبني: "من الزعل.. ساعات بيحصل كده". أفكر في أن "الزعل خبطني جامد قوي المرة دي". يبدأ النوم في التسلل إلى عينيّ المغلقتين أصلاً، فتتباعد الأصوات القادمة من الصالة شيئاً فشيء. ا

في مثل تلك الحالات لا أستغرق أبداً في النوم، بل يكون ما أمر به هو مزيجاً من الصحو والمنام، أو منام على خلفية الصحو؛ فأنا إلى حد ما أظل على شيء من وعيي بما يحدث حولي، ولكنني في الوقت ذاته أدخل قليلاً قليلاً إلى عالم النوم. لا يكون نوماً عميقاً ولا مريحاً ولا متواصلاً؛ فقط محاولة لمساعدة الجسد على الاستمرار. ولا تكون الأحلام -بالتالي- أحلاماً بالمعنى المفهوم، بل تتحول إلى هلاوس هي خليط من الواقع ومن العقل الباطن. أرى فيما يرى "نصف النائم" مكاناً مظلماً مهجوراً لا ينيره سوى عامود نور يبعث ضوءً خافتاً أصفر اللون.. يظهر محمد في الكادر مبتسماً، ثم تمتد يد سوداء بمسدس لتطلق عليه طلقة واحدة. يقع. ينطفئ النور. يطبق الظلام على المشهد. صوت خطوات تجري مبتعدة. أفتح عينيَ بغتة، وللحظة لا أميز أين أنا في الزمان أو المكان. أحملق للحظة في ظلام الغرفة منادية "محمد؟".. أظل في وضعي وأنا غير مدركة تماماً لأين أنا، حتى أبدأ في تمييز الأصوات القادمة من الصالة، والضوء المتسرب من تحت عقب الباب. يصعقني الإدراك. تخرج مني "يا محمد؟!" مشروخة باكية، مصحوبة بالدمعتين التين أغلقت عينيّ تفادياً لهما. أقرب هاتفي المحمول من وجهي لأنظر إلى الوقت، فأدرك أن نومي لم يتعد العشرين دقيقة. أغطي وجهي بيدي وأنا أفكر في أن ذلك لم يكن حلماً؛ إنه ما حدث بالفعل. ا
ا
أتقلب لأواجه الحائط في محاولة للرجوع للنوم، ولا ألبث بعد دقائق أن أنزلق إلى عالم "نصف النوم" مرة أخرى. يكون المشهد أهدأ تلك المرة.. صباح شتوي مشمس، وثلاثة أطفال في بلكونة الجدة. ثلاث ضحكات صغيرة أميز فيهم نفسي وعمرو ومحمد. الطفلة الصغيرة مفتونة بالنور المتسلل من بين شقوق الشيش، والطفلان الآخران مفتونان بتلك الكائنة الصغيرة.. استيقظ في تلك المرة بنعومة على أصوات ضحكات طفولية تتباعد. أنظر إلى المحمول فأرى أنني لم أتعد الخمس عشرة دقيقة تلك المرة، فأكون شاكرة لتلك الدقائق التي تفضل بها عليّ النوم. أقوم من السرير وأنا شبه متأكدة من أن لذلك الحلم الثاني أصل. أوقد نور الغرفة وأبدأ في ارتداء الإيشارب أمام المرآة، وبينما أفعل ذلك، أفكر في إنه كم من الغريب أن أفكر في ابن عمتي باسم "محمد"، فطالما ناداه الجميع، ومنهم أنا، "بحمادة". أفكر في أن الموت عندما يقتحم المشهد، يفرض هيبته و"سواده" على الجميع، فلا يصح أن نشير إلى الغائب سوى باسم جاد يليق بجلال الموت. في لحظة تحولت من حمادة لمحمد.. يا محمد. ا

أخرج إلى الصالة وأجلس مع الأقارب الموجودين قليلاً، ثم نستأذن أنا وأبي وأمي. أظل أفكر طوال الطريق في أن ذلك الحلم الثاني حتماً يذكرني بشيء ما. نصل إلى المنزل فأتجه رأساً نحو دولاب الصور. أجلس على الأرض وأبدأ في تصفح الألبوم الذي يحتوي على صوري وأنا طفلة. أجدها. ثلاثة أطفال يضحكون في ضوء شمس صباح شتوي بعيد. أتأمل في الصورة بعض الوقت. أربت بأصبعي على رأس الطفل الذي يظهر في يمين الصورة قبل أن أغلق الألبوم. أعيده إلى مكانه هامسة: "تصبح على خير.. يا حمادة". ا


5 comments:

كلمات said...

:)

I now see why, for no definite reason, I couldn't leave a comment here, thought everything here leaves an imprint in the heart!

Only to have my first comment at Nour's forever connected with this morning, last night.. and Hamada!

Hamada.. I saw him,his sunny smile, his naughty voice, his graceful suit!

Hamada.. may his soul rest in peace.. and Light.. similar to the rays on his childish face.. Amen!

Nour.. a kiss on your forehead.. a well-deserved kiss.. for you reached out to the Sun.. retrieved Hamada.. and Light!

Congratulations on your choice to keep the "picture" till the very end.. because the sense of Nour and Serenity and Warmth it carries is what should eventually reside in the heart.. despite everything!

Bless you.. Nour!
Abd bless Hamada'a Sunny Soul!


*صباح النور.. رغم العفار والشبورة في العيون*

حنين said...

هيه.. دلوأتي بقيتي بتكتبي زي المخزنجي :)
ده (بتاعنا) أصلا، بشكل أو بآخر.. شكرا له
***

ورحم الله حمادة، فعلا الموت يفرض سوداوية وهيبة تضايق، وتخلي الحزن صعب ..صعب
لأنه رسمي..
....

جميل حكيك.. شكرا لكِ:)

صفية الجفري said...

عظم الله أجركم يا نوران .
حزنت فعلا ..كتابتك جمالها هنا فيه وقار مناسب للحال
الله يرحمه ويرفعه أعلى الدرجات ويربط على قلوب من يحبه

BoBo said...

البقاء لله يا حبيبتي
اسلوبك جميل جدا.. انا مبسوطة اوي من ساعة ما رجعتي تكتبي

الاميره سيناهيت said...

البقاء لله.. بقالي 3 سنين متابعاكي وأول رد ليا يبقى البقاء لله:-(